الشيخ الطبرسي

184

تفسير مجمع البيان

لأنه لو لم يطلقه على يد ذلك الانسان ، لم يجئ منه شئ ، فلا يطلق اسم الرزاق إلا على الله تعالى . ويقيد في غيره كما لا يطلق اسم الرب إلا عليه ، ويقيد في غيره ، فيقال رب الدار ، ورب الضيعة ، ولا يجوز أن يخلق الله حيوانا يريد تبقيته إلا ويرزقه ، لأنه إذا أراد بقاءه فلا بد له من الغذاء ( أمن يملك السمع والأبصار ) معناه : أم من يملك أن يعطيكم الأسماع ، والأبصار ، فيقويها وينورها ، ولو شاء لسلب نورها وحسها . ( ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) قيل : معناه ومن يخرج الانسان من النطفة ، والنطفة من الانسان . وقيل : معناه ومن يخرج الحيوان من بطن أمه إذا ماتت أمه ، ويخرج غير التام ، ولا البالغ حد الكمال من الحي . وقيل : معناه ومن يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ( ومن يدبر الأمر ) أي : ومن الذي يدبر جميع الأمور في السماء والأرض على ما توجبه الحكمة ( فسيقولون الله ) أي : فسيعترفون بأن الله تعالى يفعل هذه الأشياء ، وان الأصنام لا تقدر عليها . ( فقل أفلا تتقون ) أي : فقل لهم عند اعترافهم بذلك : أفلا تتقون عقابه في عبادة الأصنام . وفي الآية دلالة على التوحيد ، وعلى حسن المحاجة في الدين لأنه سبحانه حاج به المشركين . وفيها دلالة على أنهم كانوا يقرون بالخالق ، وإن كانوا مشركين ، فإن جمهور العقلاء يقرون بالصانع سوى جماعة قليلة من ملحدة الفلاسفة ، ومن أقر بالصانع على هذا صنفان : موحد يعتقد أن الصانع واحد لا يستحق العبادة غيره ، ومشرك ، وهم ضربان : فضرب جعلوا لله شريكا في ملكه ، يضاده ويناوئه ، وهم الثنوية والمجوس ، ثم اختلفوا فمنهم يثبت لله شريكا قديما كالمانوية ، ومنهم من يثبت شريكا محدثا كالمجوس . وضرب آخر لا يجعل لله شريكا في حكمه وملكه ، ولكن يجعل له شريكا في العبادة ، يكون متوسطا بينه وبين الصانع ، وهم أصحاب المتوسطات . ثم اختلفوا : فمنهم من جعل الوسائط من الأجسام العلوية كالنجوم والشمس والقمر . ومنهم من جعل المتوسط من الأجسام السفلية كالأصنام ونحوها ، تعالى الله عما يقول الزائغون عن سبيله علوا كبيرا ( فذلكم الله ) ذلك إشارة إلى اسم الله تعالى الذي وصفه في الآية الأولى بأنه الذي يرزق الخلق ، ويخرج الحي من الميت ،